الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
299
تفسير روح البيان
فلعله أراد بالسرقة أخذهم له من أبيه ودخول بنيامين فيه يطريق التغليب وهو من قبيل المبالغة في التشبيه اى أخذتم يوسف من أبيه على وجه الخيانة كالسراق وقد صدر التعريض والتورية من الأنبياء عليهم السلام - روى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزل قريبا من بدر ركب هو وأبو بكر حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له سفيان فسأله عليه السلام عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال له عليه السلام إذا أخبرتنا أخبرناك فأخبر الشيخ حسبما بلغه خبرهم فلما فرغ قال من أنتما فقال عليه السلام ( نحن من ماء دافق ) وأوهم انه من ماء العراق ففيه تورية وأضيف الماء إلى العراق لكثرته به - وروى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خرج من الغار وتوجه إلى المدينة كان أبو بكر رضى اللّه عنه رديفا له وإذا سأله اى أبا بكر سائل من هذا الذي معك يقول هذا الرجل يهديني الطريق يعنى طريق الخير كذا في انسان العيون قال في حواشي سعدى المفتى الكذب إذا تضمن مصلحة يرخص فيه [ دروغ مصلحت آميز به از راست فتنه انگيز ] وقال بعضهم هذا الخطاب من قبل المؤذن بناء على زعمه وذلك ان يوسف وضع السقاية بنفسه في رحل أخيه وأخفى الأمر عن الكل أو امر بذلك بعض خواصه قال في القصص انه ابنه وامره بإخفاء ذلك عن الكل ثم إن أصحاب يوسف لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد غير الذين ارتحلوا غلب على ظنهم انهم هم الذين أخذوها فنادى المنادى من بينهم على حسب ظنه انكم لسارقون قالُوا اى الاخوة وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ جملة حالية من قالوا جيئ بها للدلالة على ازعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم اى وقد اقبلوا على طالبى السقاية ما ذا تَفْقِدُونَ اى تعدمون تقول فقدت الشيء إذا عدمته بان ضل عنك لا بفعلك والمآل ما الذي ضاع منكم قالُوا في جوابهم نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وصيغة المضارع في كلا المحلين لاستحضار الصورة ثم قالوا تربية لما تلقوه من قبلهم وإراءة لاعتقاد انه انما بقي في رحلهم اتفاقا وَلِمَنْ جاءَ بِهِ من عند نفسه مظهرا له قبل التفتيش وفي البحر ولمن دل على سارقه وفضحه حِمْلُ بَعِيرٍ من البر جعلاله وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل اؤديه إلى من جاء به ورده لان الملك يتهمنى في ذلك وهو قول المؤذن وفي التأويلات النجمية فيه إشارة إلى أن من يكون مستأهلا لحمل البعير الذي هو علف الدواب متى يكون مستحقا لمشربة هي من مشارب الملوك قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم والجمهور على أن التاء بدل من الواو مختصة باسم اللّه تعالى . والمعنى ما أعجب حالكم أنتم تعلمون علما جليا من ديانتنا وفرط أمانتنا اننا بريئون مما تنسبون إلينا فكيف تقولون لنا انكم لسارقون . وقوله لنفسد اى لنسرق فإنه من أعظم أنواع الفساد وَما كُنَّا سارِقِينَ اى ما كنا نوصف بالسرقة قط وانما حكموا بعلمهم ذلك لان العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الغائبة قالُوا اى أصحاب يوسف فَما جَزاؤُهُ على حذف المضاف اى فما جزاء سرقة الصواع عندكم وفي شريعتكم إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جحودكم ونفى كون الصواع فيكم قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ اى أخذ من وجد الصواع فِي رَحْلِهِ واسترقاقه